الغزالي

113

إحياء علوم الدين

في كلمة واحدة ، فقال تعالى * ( وأَمَّا من خافَ مَقامَ رَبِّه ِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) * « 1 » والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم . فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختبارا ، فينبغي أن يصبر ويستمر . فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك ، ففسدت . وإذا اتفق منه نقض عزم ، فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه ، كما ذكرناه في معاقبة النفس ، في كتاب المحاسبة والمراقبة . وإذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته ، وحسنت عنده تناول الشهوة ، فتفسد بها الرياضة بالكلية . بيان علامات أمراض القلوب وعلامات عودها إلى الصحة اعلم أن كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به . وإنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خلق له ، حتى لا يصدر منه أصلا ، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب . فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش . ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار . وكذلك مرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به ، الذي خلق لأجله ، وهو العلم والحكمة والمعرفة ، وحب الله تعالى وعبادته ، والتلذذ بذكره ، وإيثاره ذلك على كل شهوة سواه ، والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه . قال الله تعالى * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * « 2 » ففي كل عضو فائدة . وفائدة القلب الحكمة والمعرفة ، وخاصية النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم ، فإنه لم يتميز عنها بالقوة على الأكل والوقاع والإبصار أو غيرها ، بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياء . فلو عرف كل شيء ، ولم يعرف الله عز وجل ، فكأنه لم يعرف شيئا . وعلامة المعرفة المحبة . فمن عرف الله تعالى أحبه . وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات ، كما قال الله تعالى * ( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ ) * « 3 » إلى قوله

--> « 1 » النازعات : 40 « 2 » الذاريات : 56 « 3 » التوبة : 24